ابن حزم

81

رسائل ابن حزم الأندلسي

فأما الأحكام التي لم يختلفوا فيها ، فهم الذين يخالفونها كخلافهم إعطاء أبي بكر وعمر رضوان الله عليهما - بحضرة الصحابة دون خلاف من أحد منهم - ارض خبير اليهود بنصف ما يخرج منها من زرع أو ثمر إلى غير أجل ، فخالفوا هذا الحاكم ، وقالوا : هذا باطل لا يجوز . وغير هذا كثير جداً قد جمعناه عليهم مما لا ينكرون صحته . وأما الأحكام التي فيها [ اختلاف ] ، فإنا حكمنا فيما أمرنا الله تعالى أن يرد إليه ما تنازع العلماء فيه من القرآن ، ومن السنة الصحيحة ، فلأيهما شهد القرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصحة أخذناه . وأما هم فحكموا على الصحابة رضي الله عنهم رأى مالك ، واختيار ابن القاسم ، فلينظر الناظر أي الطريقين أهدى فإن قالوا : ما يتهم مالك ولا بن القاسم . قيل لهم : ولا يتهم سفيان ولا ابن المبارك ولا الأوزاعي ولا الوليد بن مسلم [ 176 ب ] ولا الليث ومن روى عنه ، ولا أحمد بن حنبل ولا سائر الفقهاء ، فأي فرق بين تحكيم أولئك فيما اختلف فيه السلف ، وبين تحكيم هؤلاء ومن فوقهم من التابعين 8 - ثم قالوا : " وهو مع ذلك ضعيف الرواية عار من الشيوخ ، وإنما هي كتب حسنها وأتقنها وضبطها ؛ فمنها مروي مما قد رواها ( 1 ) على شيخ أو شيخين لا أكثر ، ومنها كتب مشهورة ثابتة بيده صحيحة ، مثل المسانيد ، والمصنفات والصحيح كمسلم والبخاري ، لا يمترى في شيء منها ، ومنها ما قد خفي على المحتج لعدم الراوي لها ، وقلة استعمالها أو لطروئها ( 2 ) وحدوثها في بلدتنا لم يروها علماء بلدنا ، ولا شغلوا ( 3 ) بها ، ولا سمعوا بها فيما مضى عمن مضى ، فنافروها ولم يقبلوا عليها ، فهم لا مكذبون ( 4 ) لها ، ولا عاملون [ بها ] ، ثم إنهم رأوا فيها تغليب أحاديث قد تركت وسكت عنها الصحابة والتابعون ، والعلماء الماضون ، ومخالفة أحكام قد حكم بها السلف الصالح وقضوا بها واستمر الحكم عليها " . فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - إن هذا كلام مخلط في غاية التناقض . أما قولهم عنا بضعف الرواية ، والتعري من الشيوخ ، فلو كان لهم عقول لأضربوا

--> ( 1 ) ص : قدروها . ( 2 ) ص : لطرسها . ( 3 ) ص : شعاع . ( 4 ) ص : يكذبون .